خبايا “الصندوق الأسود” للعراقية كليزار أنور

صالح الرزوق

تراهن كليزار أنور في روايتها الصغيرة “الصندوق الأسود” على لعبة الوهم في الرواية. فهي تصور واقعنا المأساوي لا بأسلوب المحاكاة المعروف، ولا حتى بطريقة تيار الوعي المستأنس، الذي أصبح جزءا من حقيقة عالمنا الراهن، وإنما من خلال تجزئة الحياة الطبيعية. فالواقع في الرواية هو واقع تجزئة. ويتألف من محور أساسي يتفرع على التسلسل. بتعبير آخر إنها تلغي الوحدة العضوية وتستبدلها بما أسميه الذاكرة الصناعية. وهي ذاكرة مفروضة من الخارج بواسطة التحريض. وللتوضيح. إنها ذاكرة نائمة وتعمل الوسائط الحديثة على إعادة تعريفها باعتبار أنها دخلت في دورة الهدم والتركيب.

وبعيدا عن كل هذه الفذلكة، الرواية حكاية امرأة تزوجت بالإنترنت، ولم تنجب، ودخلت في دورة من المعاناة مع المكان والذات والمجتمع. وتضطر في النهاية لإنجاب ابن تكنولوجي. ولكن تتخلل هذا الشريط من الأحداث يوميات ورسائل من مجهولين، مع مشاهدات مؤلمة عن غزو بغداد وسقوط النظام. من الواضح أن للرواية عدة محاور.

الأول هو المونولوج والذكرى. وفيه تتابع عاطفة ومعاناة المرأة العاقر.

والثاني هو اليوميات وتواصلها مع العالم عن طريق الرسائل الإلكترونية. وتستغل هذا الأسلوب للتذكير بماضيها بكل ما فيه من حكايات غرام وحب. ولا أرى وظيفة فنية لهذا الجزء. فهو لا ينقل الأحداث من مستوى سابق إلى مستوى لاحق، بمعنى أنه لا يساعد على إنضاج المعنى أو المضمون، لكنه يحول الوجدان إلى حالة من حالات الواقع الإنساني كما يقول سارتر.

المحورالأخير هو الجو الإقليمي الذي ينقل الأحداث من بغداد إلى دمشق أو دبي وبالعكس. وتستفيد الكاتبة منه للمقارنة. فتبدو سوريا في حالة دعة وسكينة، ويخيم عليها جو سياحي، بينما تبدو العراق في حالة تأهب وتوتر. غير أن هذا التقابل بين ثنئايات طبيعية لم يكن مفيدا للدراما. فقد كان الانتقال بين الحالتين وديعا وهادئا، ويتسم بالمقدار نفسه من الهجاء والنبرة الناقدة. فالرواية تنظر للواقع بمنظار أسود، ولا ترى غير اللاجدوى والجمود والتخلف، بالإضافة الى الفساد الذي تدينه بلا تردد، وتنظر إليه كعلة تاريخية أو سبب للسقوط. فهو برأيها مسؤول عن الخراب (في الحالة العامة) وعن العقم (في الحالة الخاصة). ويمكن القول إن الرواية عمل ذاتي. وهي بعكس روايتها السابقة “عجلة النار” التي تناولت جحيم الحرب مع إيران، وتابعت حياة ضابط تعرض للإصابة وفقد ذاكرته. لقد خيم على هذه الرواية جو عسكري، واستغلته الشخصيات لإدانة الحلول العنفية وانتقاد النظام الذي تورط بخطأين جسيمين. استراتيجي تسبب في الحرب – وبنيوي كشف عن التخبط وسوء إدارة الأزمة. فالشخصيات كانت مرغمة على كل شيء. تقاتل بالإكراه وتحمل شعارات مزيفة عن قضايا وهمية. وهذا يذكرنا بأبطال رواية دوبوفوار «المثقفون»، فهم طوال الوقت يتكلمون عن قضية لا يعرف أحد ما هي بالضبط، وكأن الذات وعي تصوفي غامض بقضية غير موجودة أصلا.

أما “الصندوق الأسود” فقد كانت رواية حربية بالمعنى السلبي، أبطالها مصابون برهاب الخصاء.. النساء عقيمات والذكور مهزومون. ولا بد من الاستطراد هنا قليلا.

لقد كان تكتيك الضمائر والحوار في عملها الأول حاسما، لأنه رفض مسار الحرب ونتائجها. وكان لا يخلو من النبرة الإنسانية المعروفة التي تغلف كل أعمال رواد الأدب العسكري. غير أن شخصيات «الصندوق الأسود» لا تلقي بنفسها في الأتون. وتكتب مرثية لا تعرف لمن توجهها. فالضمائر والمشاهدات بنظري تبدو منقولة، أو أنها خيال للواقع، أو صورة في المرآة، أو أنها ظل على سطح عاكس. بعبارة أخرى لم تكن الحكاية مباشرة. ودائما بيننا وبين التطورات جدار حاجز ولو أنه شفاف. وأكثر من نصف الرواية تدور في البيوت وعلى شاشات الكومبيوتر، أو أنها أوراق من مفكرة. وحتى هذه الأوراق لا تزيد على بضعة سطور. ناهيك عن الرسالة التي ألقتها في مياه النهر. وهي برأيي تختصر الحكمة من الرواية، إنها ما يطفو على سطح تيار الحياة. والحوار بين حاضر وغائب، أو بالأحرى بين إنسان موجود وآخر وهمي.

ومن المفيد هنا التنويه بأعمال عسكرية اتخذت المسار نفسه، ومنها كتابات إريك ماريا ريمارك. فكل أعماله محتارة وتقدم شخصيات تتخبط بين عدة مسارات، وتحمل أعراض أزمة في الهوية مع أزمة في المعايير، لكنه لم يتردد لحظة في إدانة فكرة الحرب ذاتها. وخذ على سبيل الذكر لا الحصر «ليلة لشبونة» (1962) فقد ناقش فيها رواسب الحرب وعينه على مصير الشخصيات. أما في «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» (1928) فكان عرضة لتصرف وبطش القدر الأعمى، وليس لديه وقت ليفهم ماذا يفعل أو ماذا يريد.

ولا شك أن أنور عزفت على النغمة نفسها، فهي وسط المتاهة التي فرضتها ثنائيات واضحة.. الديكتاتورية والثقافة من طرف، والمرأة والتقاليد من طرف آخر. إن لم نقل الحرب وأهدافها، فهي ظاهرة مركبة وقوامها أحداث معلنة وغايات مسكوت عنها. لقد كانت حرب نظام ولكن بشعارات وطنية، والنتيجة هي تمزيق الوطن إلى عدة مذاهب وقوميات، كما ورد في ثاني فصول الرواية وعنوانه «المفكرة». ومن البديهي أن ينعكس ذلك المخاض على الأسلوب، وأن يسبب للعمل كله خلافا مع نفسه» ففلسفة الواقع كانت تتعرض للانتهاك من خلال عمل الذاكرة الصناعية التي حولت القلب من بيت للعاطفة إلى منبع للغرائز والرغبات. والسؤال الآن: إن كان طفل الأنبوب هو الأمل الوحيد، هل نفهم أن الغزو والاحتلال هو منفذ النجاة الأخير أيضا؟

لم تقدم الكاتبة إجابة شافية، وتركتنا معلقين وسط مجموعة من الاختيارات، وهذا ما تؤكد عليه سلسلة الأساليب المختلفة التي تتضمنها الرواية، والتي تتدرج من التدوين وضمير الأنا، وحتى أساليب ما بعد الحداثة بكل ما فيها من أنواع وأشكال تعبير متحولة.

شاهد أيضاً

حوارٌ فاضح

الاء الصوفي اعذرني على ما فعلت ….لم تكن في خاطري أذيتك….لم أعد كسابق عهدي ،تغيرت …

error: Content is protected !!