لا مكان للسَّلْم فـي رواية “منيكان’

قاسم محمد مجيد

لا يحفل أبطال الرواية بالحياة، فهم في قاع حياة، والحرب تلبس قناع مهرج كي تغطي كأبتها، ومثل فتح نافذة في غرفة خانقة يبدأ فيها شريط الذكريات وهو يتداعى بصعوبة متداخلا مع الوعي.

هكذا تبدو رواية “منيكان” للقاصة العراقية شهرزاد الربيعي والتي أثبتت قدرتها على التحكم بشخوص روايتها في فترات زمنية صعبة ومريرة. تجاوزت الثلاثة عقود.

يتقاسم أبطال الرواية الشعور بالإحباط والانكسار والتوتر الذي تحدثه الحرب فتتغير طبيعة الإنسان إلى منحى أكثر عدوانية، وتتضخم أنانيته ويشتد صراع بين قوى الخير وقوى الشر التي تقذفه لمصير مرعب!

تبدأ الرواية لحظة إطلاق سراح الأسير جاسم من أقفاص الأسر في الحرب العراقية الإيرانية. وعلى إيقاع مفارقة مؤلمة تبدأ ملامح القصة بالظهور، فعائلته اعتبرته شهيدا في الحرب، وفق بيانات المعركة لكنه يعود مع أفواج الأسرى ليجد ما هو أسوأ في واقع مفروض عليه أن يتقبله بمرارة أو الهروب إلى جحيم آخر، فالزوجة كريمة التي تركها وهي حامل تزوجت من أخيه مالك!

ومثل عودة ابن ضال تجد العائلة نفسها في حالة لا تحسد عليها، عاد جاسم ولم يجد مكانا لأحلامه وهو في أقفاص الأسر.

فبسبب حجب رسائل الأسرى من الطرف الآخر، تفقد العوائل الامل ببقاء أبنائها على قيد الحياة. ولم تكن هذه الحالة فردية بل حدثت مع الكثير من العوائل التي وجدت نفسها في وضع مخزٍ ولا حل أمامها مشرف وناجع.

وبهذ الدخول المرن حاولت القاصة ألا تجعل المكان مموها، بل يدور بين أزقة وشوارع بغداد وبأسماء صريحة للمقاهي التراثية والمدن التي شعرت بهيبة الحرب وبشاعتها وعنفوانها، ولأنها مكشوفة ونعيش تفاصيلها لذا “لا قناع لوجه الموت هنا نموت على وقع الاوامر العسكرية” (ص9).

وبالعودة الى بطل الرواية جاسم فإنه يدفع بحربه الداخلية الى الذروة ضد من سرق حلمه وبرد فعل عنيف يوجهه لذاته! فلا يؤمن بتصالح مع الزمن الذي يمر ببطء فيستعرض خيبات حياته منذ الطفولة مرورا بارتدائه الزي العسكري ولحظات أسره وتركه جريحا دون أن يقف معه أحد كما صورته القاصة في فصل أسمته أم ذيبان ومع عزلته عند العودة يتصاعد الشعور بالآسى وللآسى نهاية. ومن أعلى الجسر الحديدي يرتكب جريمة انتحاره.

وفي المقابل تطلعنا القاصة عن اخيه مالك ذي الشخصية المضطربة ومزاجه البركاني وبأهوائه المحرقة التي كثيرا ما نتفاجأ في اندلاعها كما تندلع الزوابع في الصحراء، فلم يذعن لصوت العقل أبدا. فهو يحتسي الخمر ويبدد ثروته على ملذاته وكسول وبسبب مخيلته الكثيرة الوساوس والغيرة التي تنهشه من أخيه ومن ثم من ابن أخيه، لا يتوانى عن قتل ابن شقيقه جاسم من كريمة في جريمة مروعة في وضح النهار.

وبأشبه ببريق للجحيم تخوض الكاتبة في مسار تراجيدي للأحداث مندفعة صوب تفكير يحمل إيقاع الحرب وطبولها التي تدق “قل لي في أي حرب مت أقل لك كيف تفكر”، فتسخن سطور الرواية بأحداث تومض مثل لهب مصباح قبل أن ينطفئ فالانتقال إلى مرحلة زمنية يتم عبر تحولات ضخمة لم تعد فيها الحرب تقليدية بين جيشين متحاربين يتقاتلان بالبنادق والدبابات والصواريخ إنها حرب من نوع آخر أكثر وحشية ونوع من الموت لم يألفه الإنسان حتى وهو محاصر داخل مسكنه ومشلول الارادة، ومنتظرا بطابور طويل لحظة موت مؤجل وبالتقسيط!

والمجتمع الذي سئم الحرب يشعر أن الحرب تتواصل مع مراحل عمره وكأننا نحتاج الى حرب المفخخات والانتحاريين كي نتطهر من ذنب لم نقترفه ومثل فنتازيا مروعة يتصاعد مد الفجيعة لتبرز شاخصة مدينة الكرادة في أبشع جريمة في تاريخ الصراع مع الإرهاب.

تصور القاصة ببراعة وبألم عوائل المفجوعين وهي تنتظر استلام جثث أبنائها على أبواب المستشفيات. وهنا تكمن غرائبية الحرب والاستهتار بمشاعر الناس. فالعوائل تصاب بالذهول والرعب وهي ترى المنيكان بديلا عن إنسان من لحم ودم. وبتابوت تصل المنيكان إلى طاولة غسل الموتى ليكتشف غاسل الموتى أنه يغسل لعبة بالماء والصابون والكافور فيغرق في نوبة بكاء.

ونجحت القاصة ببراعة ان تصوير فزع دمية جامدة “فزعت لرؤيتي طاولة غسل الموتى” (ص 82).

وفي مكان آخر وكأنها تشاطر الإنسان حزنه “جلست الدمية متلفتة الى الوجوه، تود أن تعرف ماذا يجري .. تبدو كمغفلة دخلت اللعبة رغما عنها أو مجرد صدفة” (ص83).وكي يبدو المصير الإنساني متشابها كمصير الأشواك الساقطة على سياج مهمل تقترب القاصة أكثر لتضع نقاطا على خلاصة مرة، أن جميع أبطال روايتها ضحايا الحروب والصراعات، وتفضح دور الساسة وجنرالات الحرب بدقة حين تقول “حياتنا تقضمها أسنان الفئران وعنجهية الجنرالات” (ص 8).

لتترك خيار من هو بطل الرواية سائبا ما دام الجميع ضحايا والإنسان في بلادي مثل الهياكل التي يعثر عليها عند التنقيب!

وحسنا فعلت القاصة شهرزاد الربيعي وهي تؤكد أن الإنسان هنا لا يسترد أنفاسه ولا يشعر بالراحة ولا استراحة من حرب إلى حرب ومن عدو إلى عدو يتربص به من عقود!

الرواية تنتمي لأدب الحرب، وهي ككاتبة تقف بالضد من انسحاق الإنسان تحت وطأة الصراعات والحروب، والرواية “منيكان” صدرت عام 2017 عن دار تموز للطباعة والنشر في دمشق.

 

شاهد أيضاً

افتتاح مبنى الهيئة العربية للمسرح – الشارقة

حضر السيد نقيب الفنانين العراقيين المدير العام لدائرة السينما والمسرح الدكتور جبار جودي عضو مجلس …

error: Content is protected !!